في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها عالم
اليوم، لم تعد المعرفة الأكاديمية وحدها كافية لضمان نجاح الفرد وتكيفه مع متطلبات
الحياة المعاصرة. فقد برز مفهوم "المهارات الحياتية" كعنصر حاسم في بناء
الشخصية المتوازنة والقادرة على مواجهة التحديات. تُعرّف المهارات الحياتية بأنها مجموعة
القدرات النفسية والاجتماعية التي تمكن الفرد من التعامل بفعالية مع مطالب الحياة اليومية
وتحدياتها. يهدف هذا المقال إلى استعراض أهمية تطوير هذه المهارات، مع التركيز على
دور المدرسة والأسرة في هذه العملية، وتقديم أمثلة على بعض المهارات الأساسية وآثارها
الإيجابية على حياة الطالب.
أولاً، تشمل المهارات الحياتية نطاقاً واسعاً من
الكفاءات التي يمكن تصنيفها في مجالات رئيسية. من أبرزها المهارات الشخصية، مثل إدارة
الوقت وتحديد الأهداف واتخاذ القرارات، والتي تمنح الفرد شعوراً بالسيطرة على مسار
حياته. فعلى سبيل المثال، تساعد إدارة الوقت الطالب على تحقيق التوازن بين الدراسة
والترفيه والمسؤوليات العائلية، مما يقلل من التوتر ويزيد الإنتاجية. كما تندرج تحتها
المهارات الاجتماعية، كالتواصل الفعال والعمل الجماعي والتعاطف، وهي ضرورية لبناء علاقات
إيجابية في المحيط الأسري والمدرسي والمهني لاحقاً. فالشخص الذي يتقن فن الحوار البناء
ويستمع بإنصات يكون أكثر قدرة على حل النزاعات والتعاون مع الآخرين.
ثانياً، يقع على عاتق المؤسسات التعليمية والأسرة
معاً مسؤولية تنمية هذه المهارات. فالمدرسة، إلى جانب دورها التقليدي في نقل المعرفة،
عليها أن تتبنى مناهج وأنشطة تعزز التفكير النقدي والإبداعي. يمكن تحقيق ذلك عبر دمج
أنشطة جماعية في المنهج، وإنشاء نوادي للخطابة أو المشاريع، ومحاكاة مواقف حياتية حقيقية
داخل الصف. أما الأسرة، فهي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل قيم المسؤولية والتعاون.
من خلال إشراك الأبناء في مهام منزلية مناسبة لأعمارهم، ومنحهم هامشاً من الحرية لاتخاذ
قرارات بسيطة وتحمل تبعاتها، تُسهم الأسرة في بناء شخصية مستقلة وواثقة.
ثالثاً، لتطوير المهارات الحياتية آثار إيجابية عميقة
ومتعددة الأبعاد على حياة الطالب. على المستوى الأكاديمي، ترفع المهارات التنظيمية
ومهارات الدراسة من مستوى التحصيل العلمي. وعلى المستوى النفسي، تعزز المهارات العاطفية،
كالتعرف على المشاعر وإدارتها، من المرونة النفسية والقدرة على تجاوز الفشل والإحباط.
أما على المدى البعيد، فإن هذه المهارات تُعد الطالب بشكل أفضل لسوق العمل المتغير،
الذي يقدّر المهارات الناعمة، كالقدرة على التكيف وحل المشكلات المعقدة، بقدر ما يقدّر
المؤهلات التقنية. وبالتالي، فإن الاستثمار في تنمية هذه المهارات هو استثمار في رأس
المال البشري والمستقبل الواعد للفرد والمجتمع.
في الختام، يعد تطوير المهارات الحياتية ضرورة ملحة
وليس رفاهية في عصرنا الحالي. فهو جسر يربط بين المعرفة النظرية المكتسبة في الفصول
الدراسية وتطبيقها العملي في سياقات الحياة الواقعية. بينما تظل المعرفة أساسية، فإن
المهارات الحياتية هي التي تضمن استخدام هذه المعرفة بفعالية وذكاء. لذلك، يجب أن يكون
دمج هذه المهارات في العملية التربوية، بدءاً من المدرسة ومروراً بالأسرة، أولوية استراتيجية.
فإعداد جيل يمتلك أدوات التفكير والتواصل والتكيف يعني إعداد مجتمع أكثر قوة وتماسكاً
وقدرة على الإسهام في بناء الحضارة الإنسانية.
